السيد الطباطبائي

139

تفسير الميزان

واحتجب بها عنه تعالى كان الكلام رسالة أرسل إليه بملك مثلا ووحيا من الملك ، وإن التفت إليه تعالى كان وحيا منه وإن كان هناك واسطة لا يلتفت إليها ، ومن الشاهد على ما ذكرنا قوله في الآية التالية خطابا لموسى : " فاستمع لما يوحى " فسماه وحيا ، وقد أثبت في سائر كلامه فيه الحجاب . وبالجملة قوله : " إني أنا ربك فاخلع نعليك " الخ ، تنبيه لموسى على أن الموقف موقف الحضور ومقام المشافهة وقد خلى به وخصه من نفسه بمزيد العناية ، ولذا قيل : إني أنا ربك ، ولم يقل أنا الله أو أنا رب العالمين ، ولذا أيضا لم يلزم من قوله ثانيا : " إني أنا الله " تكرار ، لان الأول تخلية للمقام من الأغيار لالقاء الوحي ، والثاني من الوحي . وفي قوله : " نودي " حيث طوي ذكر الفاعل ولم يقل : ناديناه أو ناداه الله من اللطف ما لا يقدر بقدر ، وفيه تلويح أن ظهور هذه الآية لموسى كان على سبيل المفاجأة . قوله تعالى : " وأنا اخترتك فاستمع لما يوحى " الاختيار مأخوذ من الخير ، وحقيقته أن يتردد أمر الفاعل مثلا بين أفعال يجب أن يرجح واحدا منها ليفعله فيميز ما هو خيرها ثم يبني على كونه خيرا من غيره فيفعله ، فبناؤه على كونه خيرا من غيره هو اختيار فالاختيار دائما لغاية هو غرض الفاعل من فعله . فاختياره تعالى لموسى إنما هو لغاية الهية وهي إعطاء النبوة والرسالة ويشهد بذلك قوله على سبيل التفريع على الاختيار " فاستمع لما يوحى " فقد تعلقت المشية الإلهية ببعث إنسان يتحمل النبوة والرسالة وكان موسى في علمه تعالى خيرا من غيره وأصلح لهذا الغرض فاختاره عليه السلام . وقوله : " وأنا اخترتك " على ما يعطيه السياق من قبيل إصدار الامر بنبوته ورسالته فهو إنشاء لا إخبار ، ولو كان إخبارا لقيل : وقد اخترتك لكنه إنشاء الاختيار للنبوة والرسالة بنفس هذه الكلمة ثم لما تحقق الاختيار بإنشائه فرع عليه الامر بالاستماع للوحي المتضمن لنبوته ورسالته فقال : " فاستمع لما يوحى " والاستماع لما يوحى الاصغاء إليه .